ابن العربي
909
أحكام القرآن
المسألة الثالثة - قوله : فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ : قوله : فَتَرَبَّصُوا « 1 » صيغته الأمر ، ومعناه التهديد ، وأمر اللّه الذي يأتي فتح مكة على القول بأنّ المراد بمعنى الآية الهجرة ، ويكون أمر اللّه عقوبته التي تنزل بهم الذل والخزي ، حتى يغزوهم العدوّ في عقر دارهم ، ويسلبهم أموالهم . الآية الحادية عشرة - قوله تعالى « 2 » : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قال ابن وهب ، وابن القاسم ، قال مالك : لما انهزم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين قبضت أم سليم - امرأة أبى طلحة - على عنان بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قالت : يا رسول اللّه ؛ مر بهؤلاء الذين انهزموا فنضرب رقابهم . فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أو خير من ذلك يا أم سليم ؟ فقيل له : أو قسم لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولمن خرج يداوى الجرحى ؟ فقال : ما علمت أنه أسهم لامرأة في مغازيه . قال ابن وهب ، عن مالك : وكانت حنين في حرّ شديد . قال ابن القاسم : قال لنا مالك : حدثني ابن شهاب ، قال : قال رجل لصفوان يوم حنين : واللّه لا نرتدّ أبدا . فقال له صفوان : واللّه لربّ من قريش خير من رب من هوازن . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أعطى صفوان مثنى « 3 » مئين أو ثلاث . وقال صفوان : لقد حضرت حنينا وما أحد من الخلق أبغض إلىّ منه ، فما زال يعطيني حتى ما كان أحد أحب إلىّ من الخلق منه . وكان صفوان من المؤلّفة قلوبهم . المسألة الثانية - قال ابن القاسم ، وابن وهب : سئل مالك عن صفوان حين أعطاه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ما أعطاه أكان مسلما أو مشركا ؟ قال : ما سمعت شيئا ، وما أراه كان إلا مشركا . ولقد قال : ربّ من قريش خير من ربّ من هوازن . وما هذا بكلام مسلم .
--> ( 1 ) تربصوا : انتظروا . ( 2 ) الآية الخامسة والعشرون . ( 3 ) هكذا في ا ، وفي ل : مثلين